The Climate Tribe Logo
  • /
  • اقرأ/
  • مقابلة/
  • ترويها لنا بدوية: حكاية حرفة اتسمت بعبقرية جعلتها من وإلى الطبيعة
مقابلةجمعة ٠٨ مارس ٢٠٢٤

ترويها لنا بدوية: حكاية حرفة اتسمت بعبقرية جعلتها من وإلى الطبيعة

لقاء مع حرفية السدو رفعة السبيعي، لتروي لنا ما فعلته الحرفة بها وبالطبيعة.

The Climate Tribe
يشارك

امرأة في الخمسينيات من عمرها، تدعى رفعة السبيعي تعلمت السدو كحرفة منذ نعومة أظافرها،  حيث كانت تراقب والدتها وتختلس منها نظرات أثناء عملها  في البادية، ومن ثم كبرت على حب الحرفة حتى أنتجت أول قطعة مشتركة مع والدتها بعمر ۹ سنوات، ومن ثم أنتجت أول قطعة بمفردها بعمر الـ۱۲ عامًا، وما زالت تشعر بالفخر كلما تذكرت القطعة وحتى الآن محتفظة بها في بيتها في البادية.

تكبر رفعة وبعدد الأيام والشهور كان حب حرفتها يكبر في قلبها، حيث تمتلك الآن فوق ۳۰ عامًا من الخبرة وأصبحت مدربة مدربين في السعودية، ومثلت المملكة في عدة دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا ولندن، وطورت المهنة ونوعت استخداماتها؛ بين اللوحات الجدارية وتصميم الأشكال والرسوم الثمودية وأدخلتها في أثاث المنزل بالكامل.

علياء بنت سلطان توثق بعدساتها معاني التراث العربي وروحه المتمثل في أيادي امرأة قوية تحاكي الزمن, و هي غارقة بين أحضان الطبيعة. 
تصوير: علياء بنت سلطان الجوكرعلياء بنت سلطان توثق بعدساتها معاني التراث العربي وروحه المتمثل في أيادي امرأة قوية تحاكي الزمن, و هي غارقة بين أحضان الطبيعة. 
تصوير: علياء بنت سلطان الجوكر
علياء بنت سلطان توثق بعدساتها معاني التراث العربي وروحه المتمثل في أيادي امرأة قوية تحاكي الزمن, و هي غارقة بين أحضان الطبيعة. تصوير: علياء بنت سلطان الجوكر

برغم أن الحرفة لم تجلب لرفعة العائد المادي المغري وبرغم صعوبتها وطول مدة تجهيز أي قطعة، فهي مازالت متمسكة بها لأن هناك شيء أكبر يربطها، فعند سؤالي عن ماذا تمثل لها الحرفة تقول وصوتها يرتجف ربما بسبب حديثها عن شيء تحبه“ الحرفة  بتربطني بالبادية، بتربطني بالماضي  وذكرياتي مع الوالدة،  سبحان الله اليوم الذي يمر دون أن أعمل فيها على أي قطعة بتعب في فراشي  وأحس  بضيقة واختناق”.

وبرغم كل هذا الحب الذي تكنه رفعة للحرفة تواجه معها بعض الصعوبات، منها متعلق بالطقس ومنها بالخطوات، فمواد الحرفة مبنية على الثروة الحيوانية حيث يتم إحضار صوف الحلال ووبر الإبل أو شعر الماعز في فصول معينة وأوقات وأجواء محددة لا يستطيعون الحصول على الخامات غير فيها، ومن ثم يبدأو في غزلها وتنظيفها وبرمها وتلوينها بالألوان الطبيعية.

ولكن الطقس أحيانًا يخرب كل هذا فتقول رفعة " الطقس مثل ما له تأثيرات على البشر له تأثيرات على القطعة، سواء في درجة الحرارة المرتفعة في الشمس أو المطر الشديد يخرب الألوان ويجعلها تختلط ببعضها وربما تتلف القطعة".

بدوية وهي تغزل بأناملها قطع تراثية 
مصدر: ذا كلايمت ترايببدوية وهي تغزل بأناملها قطع تراثية مصدر: ذا كلايمت ترايب

الحرفة بتربطني بالبادية، بتربطني بالماضي وذكرياتي مع الوالدة، سبحان الله اليوم الذي يمر دون أن أعمل فيها على أي قطعة بتعب في فراشي وأحس بضيقة واختناق

 مثلما قال دكتور عبد القادر الهواري في كتابه مناخ الأرض” إن الناس بدأت تدرك قضية تغير المناخ عبر تفاصيل كثيرة صغيرة، حيث أن القضية هي قضية معيشية بالدرجة الأولى بمعنى أن بعض المناطق بالصحراء الكبرى كانت دائما معروفة بأربعة فصول مقسمة إلى مواسم اقتصادية كالزراعة والرعي والحرف اليدوية البسيطة التي تؤمن جزء أساسي من الاكتفاء الذاتي للناس، لكن نتيجة تغير المناخ وأثره على البيئة  أصبح عند الناس إحساس أنها أصبحت أربعة فصول في فصلين، فصل صيف حار جدًا وفصل شتاء بارد وفارس جدًا، ونتيجة لذلك ما بقى يستفيد الناس من الدورة الاقتصادية الكاملة”.

 ولكن حتى في وسط التغيرات المناخية التي تهدد الحرفة، هذا يفتح لنا الحديث عن شيء آخر وهو علاقة الحرفة بالبيئة والطبيعة التي في وجهة نظر رفعة صديقة للبيئة ومستدامة فهي "إعادة تدوير لكل شيء"، فالاستدامة كلمة في صميم السدو فهي مكتفية بالموارد المتاحة، وإذا تمزّق شي يمكن ترقيعه، وإذا انشقت رقعة يمكن ترميمها، وإذا لم يعد صالحًا للترميم لا يوجد مادة نخشى عند إلقائها أن تضر بالبيئة، فهي من وإلى البيئة، فعبقرية السدو كونه صنع من مواد مستدامة جعلته في حالة انسجام تام مع الطبيعة.

ونزيد مع علاقة الطبيعة والصحراء الرسومات التي ترسمها رفعة وترسمها باقي نساء الحرفة من البادية كلها من وحي ما عاشوه، حضارات متمثلة أمامهم يحولوها لرسوم ورموز هندسية بسيطة  كالرسوم الثمودية والمأخوذة من الشجر والجبال والكثيان الرملية، بشكل ينقل لك يوميات لعيش البادية تحكي فيه كل امرأة رحلتها.

حرفة السدو التي تعبر الهوية والماضي وتعكس البيئة
مصدر: ذا كلايمت ترايبحرفة السدو التي تعبر الهوية والماضي وتعكس البيئة مصدر: ذا كلايمت ترايب

 حرفة السدو الموضوعة على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، وثقت تاريخ البادية العربية، وبالنظر إلى أن نمط العيش البدوي الذي صار الآن من بقايا الماضي، وبالنظر لعدد نساجي السدو الذي في تضاءل مستمر ولكن يقاوم الاندثار، من خلال مراكز تعليمية في المملكة.  
نجد أنهم امتلكوا حرفة جعلتهم على انسجام وتناغم مع محيطهم البيئي، وعلمهم لفت نظر العالم عن كيفية تسخير الموارد المحلية وتطويعها لمصلحتهم من أجل البقاء في ظروف الصحراء القاسية.

فالمفاهيم التي نسعى لتطبيقها الآن كالاستدامة والتكيف وإعادة التدوير وغيره كلها مفاهيم نشأت من بيئة محلية تعلمتها بالفطرة وليس في الكتب والمقالات التي نقرؤها ونمليها عليكم، تعلموها من حبهم وتمسكهم بتاريخهم وحرفتهم مثل رفعة التي تعتبر السدو "الشي الكبير الذي يغطس فيك بدون مقاومة"، وربما دليل آخر صغير على تشبثها بالحرفة إنها كانت تحدثني في منتصف الليل وهي تغزل بأيديها الصوف، فأغلب الناس ينامون في ذلك الوقت ولكن رفعة تمضي وقتها مع الحرفة.

اشتركوا في نشرتنا الإخبارية

نعدكم أننا لن نعطي بريدكم الإلكتروني إلى أي طرف خارجي، كما يمكنكم إلغاء اشتراككم في أي وقت.

يشارك
هل أعجبتك هذه المقالة؟
وقت القراءة٤ دقائق
    تفضيلات ملفات تعريف الارتباط

    نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتكم. باستخدامكم لهذا الموقع، فإنكم توافقون على سياسة ملفات تعريف الارتباط